علي بن أحمد المهائمي
264
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
يرون صورا لا يعرفون معانيها الحقيقية ( « فإذا ماتوا انتبهوا » « 1 » ) لها بكشف الحجب كلها والرسول داخل فيهم ، وإن كان صاحب كشف ووحي لبقاء بعض الحجب عليه بسبب تعلق الروح بالبدن . ( وكل ما يرى ) الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ( في حال يقظته فهو من ذلك القبيل ) أي : قبيل الرؤيا في الاحتياج إلى التعبير الذي لا يتم ظهوره إلا في عالم الآخرة ، ( وإن اختلفت الأحوال ) أي : أحواله عليه السّلام في المنام واليقظة وانكشاف أمور الآخرة له والحجاب عنها ، وإذا كان كذلك ( فمضى ) أي : بطل بطلان الماضي بحيث لا يمكن عوده ( قولها ) أن تلك المدة ( ستة أشهر بل عمره كله ) سواء كان حال الكشف أم لا ؛ لأنه ( في الدنيا ) فبعض الحجب باق عليه لا محالة ( بتلك المثابة ) أي : مثابة المنام . ثم استشعر سؤالا بأنه إذا كان الكل مناما فما معنى رؤيته في المنام ، وما معنى كشوفه ، فقال : ( إنما هو ) أي : المرئي له في المنام المتعارف ( منام في منام ) ، كمن يرى في المنام أنه كان نائما فرأى في نومه رؤيا فاستيقظ فعبرها وهو إلى الآن في المنام لم يستيقظ بعد . [ وكلّ ما ورد من هذا القبيل ؛ فهو المسمّى عالم الخيال ، ولهذا يعبّر أي الأمر الذي هو في نفسه على صورة كذا ظهر في صورة غيرها ، فيجوز العابر من هذه الصّورة الّتي أبصرها النّائم إلى صورة ما هو الأمر عليه إن أصاب ، كظهور العلم في صورة اللّبن ، فعبّر في التّأويل من صورة اللّبن إلى صورة العلم فتأوّل ، أي : قال مآل هذه الصّورة اللّبنيّة إلى صورة العلم ، ثمّ إنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا أوحي إليه أخذ عن المحسوسات المعتادة فسجّي وغاب عن الحاضرين عنده فإذا سرّي عنه ردّ ، فما أدركه إلّا في حضرة الخيال ، إلّا أنّه لا يسمّى نائما ] . ثم أشار إلى الفرق بين ما يرى بالحس الظاهر ، وبين ما يرى بالحس الباطن في اليقظة أو المنام في لبسه الصور ، وبين المعاني المجردة عنها ؛ فقال : ( وكل ما ورد ) من المعاني ( من هذا القبيل ) أي : في لبسه الصور ( هو المسمى عالم الخيال ) لكونه مرئيّا في الحس المشترك عن القوة الخيالية المقابلة لها تقابل المرايا المصقولة ، ولا تسمى الصور المحسوسة بالحس الظاهر بذلك إلا مجازا باعتبار ما لها من التأويل في الآخرة مثل تأويل هذه الصور ، واسمها الحقيقي عالم الحس الظاهر ، وتسمى المعاني بالمجردة عالم العقل ، ولهذا أي لوقعها في القوة الخيالية التي من شأنها جمع الصور المتقاربة بحيث تلبس على الرائي بعضها ببعض ، فلا يكاد
--> ( 1 ) رواه البيهقي في « الزهد الكبير » ( 2 / 207 ) ، وذكره السيوطي في « الجامع الصغير » ( 1 / 173 ) .